عبد الرحمن بدوي

37

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

أن نعترف بعلة موجودة أبدا بالفعل . ومتى اعترفنا بذلك لزم وجود معلولاتها أبدا بالفعل ، وأن كان العالم مخلوقا أبدا ، إذ كان قد بيّن أن الخالق أيضا أبدا خالق - بقضيتين « 1 » واجب قبولهما : إحداهما أن حال أحد الشيئين الداخلين في باب المضاف إلى حال كانت كحال قريبة : إن كان بالقوة كان بالقوة وإن كان بالفعل كان بالفعل ؛ والقضية الأخرى أنّ كلّ ما كان بالقوة فإنما ينتقل إلى ما هو بالفعل عما هو بالفعل ذلك الشئ الذي كان أولا ذاك علّته بالقوة ثم صار بأخرة علّته بالفعل . الحجة الرابعة : كلّ ما كان تكوّنه عن علة غير متحركة فهو في وجوده غير متحرك ، وذلك أن الفاعل إن كان غير متحرك فهو غير متغير ، وإذا كان غير متغير فإنه إنما يفعل بنفس وجوده من غير أن ينتقل من أن يكون يفعل إلى أن يكون لا يفعل ، ولا من أن يكون لا يفعل إلى أن يكون يفعل . لأنه إن انتقل لقد حدث له تغير بنقلته من شئ إلى شئ غيره . ومتى حدث له تغيّر ، لم يكن غير متحرك . فإن كان إذا شئ غير متحرك : فإما ألا يكون يفعل في حال من الأحوال ، وإما أن يكون يفعل دائما ، كيلا يكون متحركا من قبل أنه يفعل حينا . فمتى كانت علة ما غير متحركة [ شيئا « 2 » ] لشئ ( ما ) ولم يكن يسبّب علّة له في كل حال ، ولا علة له حينا ، فهي علة له أبدا . وإن كان ذلك ( كذلك ) ، فلم يزل علة له . فإن كانت علّة الكل غير متحركة - كيلا تكون ، إن كانت متحركة ، غير كاملة أولا ثم تصير بأخرة كاملة - لأن كل حركة فإنما هي فعل غير تام ، وكيلا يكون إن كانت متحركة تحتاج إلى زمان ومساوق الزمان - فيجب ضرورة أن يكون الكلّ أزليا ، إذ كان إنما كان عن علة غير متحركة . فإن ظنّ ظانّ أن بقوله : علة الكل وحدها أزلية وإن العالم ليس بأزلى - تورعا « 3 » وقربة إلى اللّه تعالى ، فقد أوجب في العلة

--> ( 1 ) أي بيّن . . . بقضيتين أن . . . ( 2 ) أي : وإذا كان شئ ما علة غير متحركة لشئ ما ، فلن يكون علة لا أبدا ولا في لحظة ما معينة : ( 3 ) أي : فإن ظن ظان أن قوله أن الأزلية لعلة الكل وليس للعالم - أن قوله هذا تورع وتقرب إلى اللّه تعالى . . . - وهنا يلاحظ أن كلمة « اللّه تعالى » ترجمة لكلمة وترجمتها الحرفية : « علة الكل » .